2016-11-11 وثائق وحقائق  
محمد فضل علي

نوفمبر 1988
وصلت طائرة الميرغني الخرطوم واتخذ الاسلاميين قرار الانقلاب


شهد السودان في اعقاب سقوط نظام الرئيس السوداني السابق جعفر نميري في ابريل من عام 1985 حالة استقطاب سياسي حاد منذ اللحظات الاولي لتولي مايعرف بالمجلس العسكري الانتقالي برئاسة المشير سوار الدهب السلطة "صوريا" حيث كانت قرارات ذلك المجلس وصياغتها المؤقتة ذات التاثير علي مستقبل البلاد تتم في كواليس اخري بوسائل قمة في المكر والدهاء وبينما تفرغت اغلبية القوي السياسية للاحتفاء بطريقتها الخاصة بالحدث الكبير اتجه الاسلاميين الي اعداد العدة للتعامل مع المرحلة الجديدة وتامين مؤسسات دولتهم السرية السياسية والعسكرية الموزاية التي اقاموها داخل دولة مايو التي تحولت مع رموزها من التكنوقراط المايوي منذ منتصف السبعينات وماتعرف بالمصالحة الوطنية الي مجرد ضيوف ومتفرجين علي نظام كانوا يحكمون باسمه ولايحكمون الي حد كبير.
عادت الحريات بعد ابريل 1985 وتم انتخاب ماتيسر من النقابات المهنية الحرة التي اكتسحتها قوي الانتفاضة بكل سهولة ويسر بعد ان اسقطت المرشحين التابعين لما تعرف باسم الجبهة القومية الاسلامية والمتحالفين معهم في وضح النهار مما جعل التنظيم الاخواني يتحسس مواضع اقدامه ويعد العدة لاحتمالات المستقبل في ظل الوضع الجديد.
جرت مياة كثيرة تحت النهر كما يقولون بعد نهاية الفترة الانتقالية وتنصيب الحكومة الديمقراطية ورئيس الوزراء المنتخب السيد الصادق المهدي وحتي لحظة النهاية وانقلاب الجبهة القومية الاسلامية المعروف باسم انقلاب الانقاذ.
شهدت البلاد حالة استقطاب وتوتر سياسي حاد علي صعيد الصراع والحرب الاهلية الدائرة في ذلك الوقت في جنوب البلاد واحتكرت اجهزة الجبهة القومية السياسية والدعائية العملية ونصبت من نفسها حارسا علي البلاد والوطنية ونجحت في تعميق الخلافات بين القوي السياسية.
وعلي الاصعدة الخارجية اتبعت الجبهة الاسلامية سياسة مرحلية قمة في المكر بالتقارب مع مصر وعراق تلك الايام واصدار قرار بادانة ايران في حربها مع العراق اثناء فاعليات مؤتمرها العام وفي نفس اليوم الذي تم فيه اغتيال مهدي الحكيم احد القيادات السياسية والدينية لجماعات التشيع العقائدي العراقية الذي سقط مضرجا في دمائة ولفظ انفاسه داخل فندق الهيلتون الخرطوم وذيادة علي ذلك فقد احتفت اجهزة الدعاية الاخوانية بذكري حرب اكتوبر بحضور ممثلين رسميين وشعبيين من مصر الشقيقة.
حدث ذلك في ظل التقارب بين حزب الامة وزعيمه السيد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان في ذلك الوقت مع ايران بطريقة تسببت في عزلة نسبية للنظام الديمقراطي القائم عن محيطه العربي والاسلامي المفترض.
فشلت المحاولات المتواضعة لتحقيق السلام وايقاف الحرب الاهلية التي اشتد لهيبها بعد سقوط بعض المدن الرئيسية في جنوب البلاد مما انعكس سلبا علي اوضاع شمال السودان الاقتصادية وذاد من حدة الانقسام السياسي بين شركاء الحكم بعد مشاركة مفروضة للاسلاميين فيما تعرف بحكومة الوفاق الوطني التي تكونت بعد ان  نجحت جماعة الترابي ببراعة تحسد عليها في احداث قطيعة كبري بين احزاب الامة والاتحادي والزعماء الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني بعد اختراق تلك العلاقة وتخريبها.
السيد محمد عثمان الميرغني والنخبة الديمقراطية واصحاب التوجهات القومية العربية داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي نصحوا الزعيم الميرغني بالتوجه صوب بغداد ولقاء الرئيس العراقي الشهيد صدام حسين وتدارس الاوضاع وتطورات السودان معه في محاولة لانقاذ ما يمكن انقاذه واعادة التوزان في الحرب الدائرة علي نطاق واسع بين الجيش السوداني
 والحركة الشعبية التي توسعت في العمليات القتالية خارج حدود الاقليم الجنوبي وقتها.
التقي الميرغني في اجواء من الترحيب الغير محدود بشخصه في القصر الرئاسي ببغداد الرئيس صدام حسين وتم استعراض الكثير من القضايا ذات الصلة في العلاقات بين البلدين وابدي الرئيس العراقي تحفظه علي علاقة بعض الدوائر السياسية السودانية بالنظام الايراني ودعمه سياسيا واكد استعداد بلاده لتقديم دعم غير محدود للسودان وهو ماحدث عبر عملية جسر جوي وامدادات بحرية للقوات المسلحة السودانية بطريقة مكنتها من استعادة مدينة "الكرمك" من سيطرة المتمردين وسط اجواء احتفالية شعبية في العاصمة السودانية ومدن البلاد الكبري.
بعد ذلك التاريخ ركز الحزب الاتحاد الديمقراطي وزعيمه الميرغني مدعومين من قوي الوسط والنقابات والتيارات القومية علي محاولات احداث اختراق في عملية السلام وتوج الامر بلقاء تاريخي بين الزعيم الميرغني والدكتور جون قرنق في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا وتوقيع اتفاق المبادئ وعودة الميرغني الي الخرطوم حيث استقبل من جماهير الشعب السوداني بطريقة غير مسبوقة تؤكد وقائعها الموثقة ايمان اجماع الامة السودانية بوحدة السودان وترابه الوطني.
في اللحظة التي نزلت فيها طائرة الزعيم الميرغني علي مدرجات مطار الخرطوم كان من ضمن المنتظرين تحت سلم الطائرة نفر من "الكادر العسكري والامني الغير معروف" التابع لتنظيم الجبهة القومية الاسلامية وعدد من الاعلاميين التابعين لهم وعبرت انفعالات وجوههم وملامحهم عن حجم الصدمة التي تلقوها بسبب الحفاوة الشعبية المنقطعة النظير والطريقة التي استقبلت بها الجماهير السيد الميرغني وكانت الملحمة والتظاهرات الشعبية الاسطورية التي استمرت من مطار الخرطوم وحتي سراية السيد علي الميرغني علي نيل الخرطوم حيث خاطب السيد الميرغني الجماهير.
منذ تلك اللحظة اعلنت الجبهة القومية الاسلامية حالة من الاستنفار والاستعداد وسط كوادرها "العسكرية والسياسية" تحسبا للانقلاب متي ما وضع اتفاق المبادئ الموقع بين الميرغني وقرنق موضع التنفيذ.
سارت الاحداث مدا وجزرا وتفاوتت رود الفعل علي الاتفاق وتعمقت المخاوف والخلافات بين احزاب الامة والاتحادي بعد تحفظات اثارها السيد الصادق المهدي في ظل استمرار تدهور الموقع العسكري والاوضاع المعيشية وسط حالة من السخط الجماهيري والشعبي.
دفعت تلك الظروف وحالة البلبلة السائدة انذاك الجيش السوداني للتدخل عبر مذكرة سياسية في 20 فبراير حثت فيه القوي السياسية والحكومة القائمة علي تحمل مسؤوليتها في وقف التدهور المعيشي والامني وذلك في مخاطبة من قائد الجيش السوداني الفريق فتحي احمد علي للضباط بمباني القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية قبل اربعة اشهر من انقلاب الجبهة القومية الاسلامية وبعد ان نجحت ضغوط الجيش في تشكيل حكومة قاعدة عريضة تم تشكيلها علي مضض وفي حالة انقسام وعدم تراضي وحواجز نفسية بين القوي الرئيسية في البلاد في احزاب الامة والاتحادي بعد ان نجحت الجبهة الاسلامية كما اسلفنا في اختراق العلاقة بينهم ثم استغلال تلك الاجواء في اختراق الجيش نفسه واستخدام بعضه في تنفيذ العملية الانقلابية في صبيحة الثلاثين من يونيو 1989 بمشاركة وتخطيط واشراف بعض القيادات و الكوادر المدنية التابعة لحزب الجبهة القومية الاسلامية كما جاء في شهادة الزعيم التاريخي والاب الروحي للجماعة الاخوانية السودانية الدكتور حسن الترابي رحمه الله والتي ادلي بها في حواراته المعروفة مع الاعلامي الاخواني احمد منصور في قناة الجزيرة.
اليوم امر اخر فقد انتهت الاوضاع في السودان الي واقع خطير ومستقبل تؤكد كل الوقائع وقرائن الاحوال انه سيكون اكثر خطورة في ظل تراكمات الاستبداد والفشل المستمر منذ اليوم للانقلاب وحتي هذه اللحظة في ظل حالة الفراغ السياسي وانعدام الحد الادني من معارضة مؤسسية ترسي بالبلاد علي بر الامان في ساعة معينة وتجنبها حالة الفوضي والدمار واللجوء الي الانتقام واليوم والغد القريب امر اخر لايشبه اطلاقا وعلي اي مستوي ماحدث في اكتوبر 64 وابريل 85 .




المزيد تعليقات 0
التعليقات مغلقة في هذا المقال
القائمة البريدية
انت الزائر رقم
Website counter