2013-04-19 ابوكم ادم سن المعاصي وعلمكم مفارقة الجنان  
محمد فضل علي


استردوا القاهرة اولا وتعالوا نتفاوض بعد ذلك حول حلايب وشلاتين

بعد ايام قليلة من المحاولة التي تورطت فيها عدد من الشخصيات الراديكالية والجهادية المصرية المعروفة التي انطلقت من الاراضي السودانية صوب العاصمة الاثيوبية اديس ابابا لتنفيذ محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في فترة التسعينات اختفت منطقة حلايب وشلاتين بصورة مفاجئة من خريطة الدولة السودانية وشرعت السلطات المصرية في ظل اجواء التوتر والقطيعة الشاملة والحرب الاعلامية والاستخبارية بين الجانبين السوداني والمصري في القيام بتغيرات جذرية في اوضاع المنطقة بعد ان ارسلت قوة عسكرية متعددة من جيش وشرطة وامن ومخابرات لتامين عملية التغيرات الديمواغرافية السريعة في المنطقة, وخلافا لما كانت تشيعه بعض ابواق النظام عن تسليم المعارضين بتبعيه المنطقة للسلطات المصرية كانت ردود الفعل مختلفة تماما ومتفاوتة وسط القوي السياسية والنقابية السودانية المعارضة في قاهرة التسعينات وحتي الحزب المقرب تاريخيا من مصر ممثلا في الحزب الاتحادي الديمقراطي وزعيمه السيد محمد عثمان الميرغني زعيم التجمع الوطني المعارض وزعيم المعارضة السودانية في تلك الايام فقد كان الراي السائد داخلة ان الاجراءات المصرية المتزامنة مع مرحلة تداعيات محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري حسني مبارك قد وضعت المعارضة في موقف حرج لانها فوجئت بتلك الاجرءات في اجهزة الاعلام ولم يتم التشاور معهم حولها او يتم توضيح الموقف لهم علي اي مستوي وانه لن يجدي الكلام في ظل التغيرات الجذرية التي تمت علي الارض في المنطقة والتي نقلت المواطن نقلة غير عادية خلال اشهر قليلة, وكان اغلب المعارضين يعتبرون ان الامر عبارة عن عملية وضع يد وليس له سند في القوانين الدولية مع الاقرار بان عملية التغيير التي نقلت حلايب وشلاتين من التهميش المريع الذي تعيشه ايضا اجزاء واسعة من اقاليم السودان الطرفية بل في اجزاء اخري في وسط السودان اضافت للموضوع ابعاد اخلاقية عند المعارضين المستنكرين لعملية ضم المنطقة الي الخريطة المصرية ومنهم اخانا الكريم عيسي محمد الحاج اخر نائب سوداني منتخب لمنطقة حلايب وشلاتين الذي كان متواجدا في مصر لسنين طويلة ضمن المعارضين ورفض اغراءات الجانب المصري حتي غادر مصر لاحقا ضمن برنامج اعادة التوطين والهجرة مع اسرته الكريمة, مصر تمسكت بحقها التاريخي في المنطقة ورفضت باجماع الناس فيها التفاوض حول تبعية المنطقة علي اي مستوي او قبول اي نوع من التحكيم الاقليمي او الدولي حولها واعتبروا ان مجرد التفكير في هذا الامر يعد انتهاك للسيادة المصرية ولم نكن بعيدين بالطبع عن التواصل مع اخوتنا المصريين علي الاصعدة الرسمية او في اطار العلاقات الانسانية الصادقة والحميمة والعشرة اليومية اللصيقة مع عدد معتبر من الصحفيين والاعلاميين والمناقشات التي كانت تدور في هذا المناخ وحول هذه القضية لم تكن تخلوا من طرافة واذكر ونحن مجتمعين مساء احد الايام ان اخانا الاعلامي المصري محمد ابو لواية الصعيدي المعتد بصعيديته وهو من النفر الذين اشقاهم زمن مبارك وعانوا من التهميش في عهده ان قال لبعض السودانيين بلهجته المميزة "شوفوا يا اخوانا ان لا اعرف كثيرا في القوانين الدولية ولكني سمعت ان سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام قال ان امراة دخلت النار في هرة الي اخر الحديث مضيفا من عندة انتوا بتوع السودان ستدخلوا النار في شعب حلايب وشلاتين يعني انتو لاترحموا ولاتسيبوا رحمة ربنا تنزل علي الناس" في اشارة منه الي النقلة الكبيرة في حياة الناس في المنطقة بعد تبعيتها الجانب المصري ضحك الناس علي حديث الاخ الكريم لمعرفتهم به شخصيا وبطبيعته العفوية وصدق مشاعره وطرافته المعروفة ولكن الموضوع مع طرافته اعادنا الي قصة وضع اليد واستغلال قدرات الدولة المصرية التي كانت في عافيتها تلك الايام في اجراء تغيير جذري سريع علي ارض الواقع في منطقة حلايب وشلاتين علي كل الاصعدة خلق بدوره واقع جديد ومعقد حول قانونية وتبعية المنطقة ومع كل ذلك فلم تكن في النفوس ضغائن ولن تكون ولانذكي شعبنا السوداني وصدق ونبل مشاعرة ولكننا نذكر بتضحيته العظيمة في مرحلة حرجة وخطيرة من تاريخ الدولة المصرية والثورة الوليدة حينها ببقعة من اجمل بقاع السودان لها مكان اثير في قلوب ووجدان السودانيين مدينة حلفا التي يرفق اهلها صورها القديمة بعبارة "ابوكم ادم سن المعاصي وعلمكم مفارقة الجنان" والامر كذلك فقد كانت المدينة رغم صغرها جنة علي الارض غرقت بسبب بناء السد العالي وغرقت معها احلام الملايين وذكرياتهم وكانت صدمة عنيفة زلزلت وجدان الناس الذين تباروا في نعي المدينة الخالدة شعرا رصينا وباكيا بمختلف اللهجات عربية وعجمية وترتب علي الامر في ذلك الوقت وفترة الستينات جفوة مع النظام السياسي الحاكم في ذلك الزمن وحكم الفريق ابراهيم عبود الذي اسقطته ثورة اكتوبر الشعبية عام 1964 تغمده الله بواسع رحمته وسارت الامور بعد ذلك التاريخ مدا وجذرا ولم يكن التعويض المصري المتفق عليه مجزيا ولم يكن الوطن البديل لمواطني حلفا النوبيين مغريا مقارنة بجنتهم التي غرقت في مياه النيل ومع كل ذلك كانت الوقفة التاريخية العظيمة من شعب السودان بكل الوان طيفه مع الزعيم الخالد في رحاب ربه باذن الله جمال عبد الناصر عندما اتي الي الخرطوم في اعقاب نكسة يونيو 67 وهو الزعيم المهزوم اذا جاز التعبير ليجد ان شعب السودان يستقبله استقبال الفاتحين المنتصرين ويرد اعتباره ويشد من ازره وهو ماحدث في اعقاب قمة الخرطوم التي شهدت مرحلة بناء القدرات العسكرية المصرية وخوض حرب الاستنزاف واثبات الوجود وتكرر المشهد نفسه صبيحة رحيل الزعيم عبد الناصر وخرجت الخرطوم ومدن السودان تودع الزعيم الراحل في مشاهد ليس لها مثيل, والامر ليس من باب المن والاذي ولكن للذكري والاعتبار ومعرفة اقدار الناس اقول هذا بمناسبة ماحدث مؤخرا بعد زيارة الرئيس المصري محمد مرسي لاخوانه في المذهب والعقيدة من حكام الخرطوم وتحول قضية حلايب وشلاتين الي مادة للمزايدة في السوق السياسي المصري الملتهب علي خلفية تصريحات صدرت اثناء تلك الزيارة وليت الامر توقف عند تلك الحدود بل ان البعض من اخوتنا المصريين ومنهم اخوة كرام حولوا الموضوع الي معركة حربية ولاحديث بالطبع عن السقوط المريع للفنان والممثل احمد ادم من خلال المشهد التمثيلي البائس والعبارات التي لاتليق بشخص مثله في وصف مواقف السودانيين,واذكر جيدا ان السيد عمر موسي وفي ذروة الازمة في تلك الايام وفترة التسعينات كان يتفادي الحديث عن موضوع حلايب وشلاتين امام الاعلاميين قائلا انها ليست مشكلة وحدود السودان في اسكندرية وحدودنا في اقصي الجنوب وهو امر يحمد له لاعليه  وحتي الذين قالوا بتبعية السودان المطلقة لمصر لم يغضبوا الناس مثلما اغضبهم هولاء المزايدين واذكر جيدا ان بعض الوفديين من الذين استضافوا المعارضة السودانية في فترة التسعينات ومنحوهم مساحة لصفحتين خصصت لمعارضة الحكومة السودانية تلك الايام كانت تصدر بعنوان الاشقاء كانوا يرددون علي اسماعنا الحديث المتكرر عن تبعية السودان المطلقة الي خارطة الدولة المصرية القومية حسب اعتقادهم واذكر اني كنت مع الاخ محمد المعتصم حاكم من الحزب الاتحادي الديمقراطي السوداني من المشاركين في تحرير تلك الصفحات التي كان يشرف عليها من صحيفة الوفد الاخ الفاضل الكريم محمد عصمت له التحية والتقدير وقد كلفته قيادة الوفد بتلك المهمة لتفادي اي صراع محتمل بين السودانيين حول الصفحتين وكان الاخ معتصم حاكم كتلة من النشاط والتوهج والقدرة الحركية العالية علي معارضة النظام وكان مع ذلك من الغاضبين علي الطريقة التي ضمت بها السلطات المصرية منطقة حلايب وشلاتين وكان يجاهر بموقفه ذلك امام الجيل القديم من الوفدين واذكر منهم الاستاذ عباس الطرابيلي مدير تحرير الصحيفة تلك الايام واذكر في ظهر احد الايام ونحن في طريقنا الي غرفة التحرير الاخباري التي تعد فيها صفحات الاشقاء المخصصة للمعارضة السودانية ان دار حوار بينه وبين الاستاذ حاكم له التحية والتقدير اينما كان وكان حاكم يستخدم في نقاشه مع الاستاذ الطرابيلي حول قضية حلايب, عبارة وضع اليد والتغيير الذي حدث في المنطقة وفرض الامر الواقع ورفض التفاوض واذكر ان الاستاذ الطرابيلي امام تمسك الاستاذ حاكم المسبب بان السلطات المصرية لم تتبع الاجراءات السليمة في ضم منطقة ظلت لعقود طويلة تابعة للجانب السوداني التفت اليه قائلا وهو يعني المعارضة السودانية قبل ان يغادر "استاذ حاكم بقولك ايه انتو ماترجعوا الخرطوم اولا وبعدين تعالوا نتفاهم حول حلايب وشلاتين وما اشبه الليلة بالبارحة ولانملك امام المزيدات المصرية المتزايدة ومحاولات عسكرة القضية الا ان نقول لكل اخوتنا في المعارضة المصرية استردوا القاهرة اولا وتعالوا نتفاوض بعد ذلك حول تبعية حلايب وشلاتين
المزيد تعليقات 0
التعليقات مغلقة في هذا المقال
القائمة البريدية
انت الزائر رقم
Website counter